محمد جمال الدين القاسمي
136
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
أعلم . وكذلك الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي لما قال جل ثناؤه : سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها [ النور : 1 ] . قال في جملة الفرائض : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي - ثم جاء - فَاجْلِدُوا . بعد أن مضى فيهما الرفع ، يريد سيبويه : لم يكن الاسم مبنيا على الفعل المذكور بعد ، بل بني على محذوف متقدم وجاء الفعل طارئا . عاد كلامه قال كما جاء : وقائلة خولان فانكح فتاتهم فجاء بالفعل بعد أن عمل فيه المضمر ؛ وكذلك وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ وفيما فرض عليكم السارقة والسارق . فإنما دخلت هذه الأسماء بعد قصص وأحاديث . وقد قرأ ناس والسّارق والسّارقة . بالنصب ، وهو في العربية ما ذكرت لك من القوة ، ولكن أبت العامة إلا الرفع . يريد سيبويه أن قراءة النصب جاء الاسم فيها مبنيا على الفعل غير معتمد على متقدم ، فكان النصب قويا بالنسبة إلى الرفع ، حيث يبني الاسم على الفعل لا على متقدم . وليس يعني أنه قوي بالنسبة إلى الرفع ، حيث يعتمد الاسم على المحذوف المتقدم ، فإنه قد بين أن ذلك يخرجه من الباب الذي يختار فيه النصب ، فكيف يفهم عنه ترجيحه عليه ، والباب مع القراءتين مختلف ؟ وإنما يقع الترجيح بعد التساوي في الباب . فالنصب أرجح من الرفع حيث ينبني الاسم على الفعل . والرفع متعين ( لا أقول أرجح ) حيث بنى الاسم على كلام متقدم . ثم حقق سيبويه هذا المقدر بأن الكلام واقع بعد قصص وأخبار . ولو كان كما ظنّه الزمخشري ، لم يحتج سيبويه إلى تقدير بل كان يرفعه على الابتداء ، ويجعل الأمر خبره . فالملخّص على هذا : أن النصب على وجه واحد ، وهو بناء الاسم على فعل الأمر . والرفع على وجهين : أحدهما ضعيف وهو الابتداء وبناء الكلام على الفعل . والآخر قوي بالغ كوجه النصب - وهو رفعه على خبر ابتداء محذوف دلّ عليه السياق . وحيثما تعارض لنا وجهان في الرفع ، أحدهما قوي والآخر ضعيف ، تعيّن حمل القراءة على القوي كما أعربه سيبويه رضي اللّه عنه . واللّه أعلم . انتهى . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 39 ] فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 39 ) فَمَنْ تابَ أي : رجع من السّرّاق إلى اللّه مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ أي : سرقته وَأَصْلَحَ أي : عمله فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ أي : يقبل توبته فلا يعذبه في الآخرة